المنفى

بنيت من شجر المنفى زورق

وعبرت بحور الثلج في جوف اليل

ابحث عن طين

واهملت صراخي اعواما ونسيت..

لايبكي .. لا يغضب .. لا يضحك

ولكن في اذني طنين

اعواما الهث.. القاكم خلف النوم سراب

القى شهداء معارك وجنودا تركونا

تركونا وناموا في معسكرات العدو

كنا وكانوا في ربيع العمر

استباحوا ليل مدينتنا

ونهار حقول القطن

و لغتنا

واستأجروا لغة اخرى

اسيخجل يوما من باعوا لسان الامة؟

من نالوا الذهب نظير الكلمة؟

والكلمة سيف

وبدون السيف كيف اسميك محارب؟

و عن اي نجاة تتحدث

 والثقب يتوسع يوميا في القارب.

والصبر ما عاد يهذب نفسي

بل زاد القلب صديد

والخوف تحول لامبالاة

والعزة لك!

يا من تسمع ما تريد

وعن ما اشكو تقلب كفك مبتسما

ما اظرف لسان العبيد

يا زهرة عمري .. مولاتي

ضحكاتي في نصف شتاء مدينتنا البارد

احكي لك عن نهر بلادي الخالد

منذ رحلتي والجرح ينزف

وعلى ضفاف النهر اتكسع حافيا

اشتم رائحة الاموات

اسمع من الضفة الاخرى صيحات

ومن خلف اسوار مدينة الاحياء تعلو الضحكات

وزخات الدم تداعب قدمايا

التفت فأرى الجنة في قرطيها

وكعادتها مدللتي

حين سقط القرط لم تنحني لتلتقطه

سارت والموت بعينيها

فيا صاحب الياقوت والمرجان

يا ساكن البروج المشيدة والبنيان

اخلع ثيابك البراقة

وسلني من اكون

احرق صكوك غفرانك الخضراء

وخبئ عرقك النبيل  البارز من جبهتك

فاليوم لا ينفعون

اليوم قيامة النبلاء والاله هو الدم

لا يسأل الحكام لما ظلموا

فلا يؤلم بالجرح الا من به الم

الليلة بركان غضب

فارتقب!

Advertisements

اشتاقُ..

اشتاق لحديثنا في الليل..
اشتاق لضحكاتنا وتندرنا بالغرباء..
اشتاق لقصصك عن اصدقائك ومدى سذاجتهم..
اشتاق لكوب اللبن..
اشتاق لصوت امي وهي تغني لي قبل النوم..
اشتاق لنزهة جدي في الصباح..
اشتاق لمراعاة جدتي لي حين مرضت..
اشتاق لأبي..
اشتاق للطمأنينة التي اعتدت عليها في وجوده..
اشتاق للسفر ليلا بين الحقول في الظلام ولا ينتابني خوف او قلق لأنه الدليل..
اشتاق لشعوري وانا في حمايته..
اشتاق لايام مضت..
اشتاق واتمنى الا يطول اشتياقي..
اشتاق لاني مدرك انها اشياء .. لن يكن لها عودة في ايامي القادمة..
فقط خوف..

امرأة على الحياد – مزجٌ خامس

بالأمس ، ذهبت ..
على وجهك حزن الأسماك
وسألت … سألت …
وعنك سألت الصيادين ،
سألت لماذا لا تدري ؟
وحملت صليبك : لا تتركني في النسيان
لا تتركني ، فالشك سيقتل في الإنسان
لا تتركني ، أفلست المنقذ ؟
أفلست رفيق المتسخين
ولأجل صليبك ، أورق في الليل ،
على الأبواب
ولأجل صليبك نمت مع المبغى ،
ووجدت صليبك يبكي ندماً في الشباك
لا تتركني ، فأنا وحدي ،
والناس هنا في غربه . “
         

اغلقت صفحات مظفر النواب وانتهت من قهوتها فقامت الى مرقدها والجرح ينزف, فلكلمات النواب اثراً في النفس وشقٌ للجرح, تعد الخطوات لتصل الى نعشها الذي يبعد بضعة امتار, ولكنها الحياة .. فما اردته قريبا بدا كأنه طير طليق في سمائك وما اردته بعيدا احتواك!
وضعت جسدها الهزيل على مرقدها ونظرت بوجهها الشاحب يسارا حتى لا يقطع ملك الموت حبل افكارها, اخذت تفكر فيه .. بعينيه السوداوين الباهتتين من الجهد الذي ظل يبذله طوال حياته بحثا عن الحرية وحقوق العمال ومناصرة البروليتاريا .. بشعره الاسود المُهمَل منذ سنوات .. بذقنه التى لطالما عذبتها في ليلهما الدافئ شتاءً.

بسمةٌ رقيقةٌ تلك التي ارتسمت على وجهها حين تذكرت كلماته في تلك الليلة, كل نساء العالم يتطلعن لتلك الكلمات الرقيقة الدافئة عن مستقبل علاقتهما المشرق وحبهما الابدي .. ومع امرأة على عكس كل نساء العالم كان من البديهي ان تقع في غرام من لا ينتمي لرجال كوكب الارض بكلماتهم الباردة الكاذبة بعد الجماع, فقد كانت تقضى ليلها في احضانه تستمع منصته لكلماته المقتبسة من كتب ومقالات ماو تسي تونج وليون تروتسكي عن حقوق العمال والطبقات الدنيا من المجتمع مستمتعة وفرحة كأنها في رحلة الى عقل رجلها المثالي!

خُيل اليها انها سمعت صوته ورأته وهو يطقطق اصابعه غارقاً في التفكير كعادته .. وتذكرت انه كان يفترض فيها ان تحبه .. “ان احبه؟ ياه”.
في ركن آخر من العالم تسكن .. تحلم .. وتطلع لتلك اللحظة, لا تتخيلها كثيرا فالتخيل بتوقعاته المبالغ فيها دائما ما تفسد الحدث, حاولت ان تتخلص من رائحته التي لازالت تغذي انفاسها مستمتعةً باحضانه .. غلبها النعاس وبدأت في مرحلة الهذيان مقاومةً شبح الصباح .. “اين انا؟ ماذا افعل؟ لماذا؟” حاولت ان تنهض ولكن نوماً ثقيلا ضربها فوق رأسها وسحبها على ظهرها .. فهمست: “فليغفر الله خطاياي” .. ثم لم تستطع المقاومة اكثر من ذلك.

Image

امرأة على الحياد – مزجٌ رابع

نفخ ملك الموت في بوق النهار ليوقظها من سباتها وعلى وجهه ملامح طفل حان وقت رضاعته, فنهضت من نعشها لتحضر شيئا يملأ فم طفلها الباكي, اخذت تعد الدقائق وهي تراقب حركاته البطيئة حتى يفرغ من طعامه ويرمقها نظرة نفس الطفل بعد ان يكتفي, ثم ينتصر على شهوته بقبلة باردة قبل الرحيل فتبدأ رحلتها لعقلها الباطن مرة اخرى.

ملت ضوء النهار, ضجيج البشر, اصوات نشاطتهم اليومية المزعجة, حياةً بأكملها تنحت عنها منذ ان رحل لم تعد تسأل عن سبب وجودها كما اعتادت, لم تعد تقلب في رأسها الاسئلة الوجودية التي لا تنفع ولا تغني من ظمأ عقلها الفلسفي المتعطش للمعرفة دائما, وظل السؤال الحائر بين طرقات ذهنها المجهد والمنتبه غصبا من جرعات الكافيين المركزة التي ادمنها جسدها ونيران النيكوتين التي تسلج صدرها في الليل, ما هدف الحياة بعد زوال اسبابها؟

لم تزدها دراسة الفلسفة سوى الالم, الحزن يضاعف حين ينسرب الالم من نبضات القلب مبتعدا الى العضو الرئيسي في الجهاز العصبي(الدماغ).
احيانا يقف القلب عن الخفقان فيتوقف الالم ولكن متى يقف العقل عن السؤال؟
هي تعلم جيدا ان توقف قلبها عاشت وان توقف عقلها ماتت,بعد ان انتقل هو من قلبها الى عقلها انتقلت الروح معه ولذلك تحرص على ارضاءها سواء ان كانت نائمة فيتلاشى .. او يقظة فيتجسد.

انك لا تضع قدمك في النهر مرتين!

سمعت كثيرا بين العامة او في شاشات التليفزيون وترددت على آذاني هذه الجملة حتى آثارت في نفسي الفضول لمعرفة من قائلها او ما مناسبتها وما تعنيه هذه الجملة, وبالصدفة وانا اقرأ كتاب عن تاريخ الفلسفة في اليونان القديمة وعن الفيلسوف هرقليطس (Heraclitus) تحديدا من مدينة أفسس أو إفسوس (Ephesus) في آسيا الصغرى قديما وقد عاش الفيلسوف في الفترة مابين (540-480 ق.م) وجدت الجملة امام عيني واجابة تفصيلية لما كان يدور في ذهني.

عاش الفيلسوف اليوناني، في فترة ما قبل سقراط،(Pre-Socratic Era) صاحب نظرية التغيّر الدائم ومن هنا جاءت هذه الجملة الشهيرة نسبة للنظرية ( إنك لاتضع قدمك فى النهر مرتين ) وقد عنى الفيلسوف اليوناني بأن النهر متغير متحرك عندما تضع قدمك المرة القادمة لن تكون نفس المياه ولا انت نفس الشخص ، وهي عبارة بنيت عليها حضارة بكاملها كما يشير الفيلسوف العربي زكي نجيب محفوظ فى أحد مؤلفاته ، ويقصد بها حضارة الغرب. حضارة التغيير ، وما حملته من أنجازات ، وما ستجىء به للبشريه من أنجازات هائله وغير متوقعه فى الصناعة والتقنية الدقيقة والطب والأتصالات ….الخ . تلك الحضارة التى نقف أمامها اليوم فى صدمة وذهول . وهرقليطس هو أيضاً من قال ( أن أملك فكرة أغير بها شيئاً خير عندي من كنوز العالم ).

Image

امرأة على الحياد – مزجٌ ثالث

نضبت كفنها الملطخ بالدموع بعدما تأكدت ان الملقى بجانبها درج في سبات الليل لعالم الاحلام, فهي على معاد دائم مع من لا يخلفوا الميعاد .. السيجارة وفنجان القهوة, كانوا وسيظلوا الاصدقاء الاوفياء لها امد الدهر, وكعادتها جلست امام الزجاج تتابع حركة العجلات المارة امامها تستمع لهمهمة الريح خلف زجاجها المرصع بالنحاس .. هاهي تراجعت نبضات قلبها وثلجت يداها وذهبت مرة ثانية الى تلك المدينة, مدينة ذهبية من دون اسوار يجلي عليها ضوء الشمس الملتهبة كحريق نشب في بحار من الكيروسين .. ويمر من وسط المدينة نهر فضي محاط بالاعشاب زهرية اللون .. وبغتةً تلقى الذي واعدها يظهر جليا امام عينيها كومضة نور هاربة من الظلمات وفي يديه نبتة يغرسها في قلب العشب لتحيا وكأنه يضع نطفة في رحم الارض لتعلن عن ميلاد كائن جديد وتبشر بالنهاية لمن انهى سبيله في تلك الحياه وعليه المضي قدما للسماء حيث الجنة مرة ثانية!

ضجيجا يأتي من بعيد هي تجهل مصدره .. يقترب منها وكلما اقترب اكثر ظهرت معالمه ,صوت قطار يمر بقضبان حديدي .. يعلوا الصوت الى ان يمر امامها فيحجز عنها رؤية ملاكها ويصمها لحظات عن اصوات الطيور الحائمة حولها .. ولكن فجأة تتباعد نبضات العجلات على القضبان وتتلاشى العربات شيئا فشيئا وينسرب الصوت مبتعدا..

اغلقت الستائر .. وعادت الى قبرها لتلتف في كفنها قبل ان يصحوا ملك الموت!

Image

امرأة على الحياد – مزجٌ ثاني

وضعت رأسها على الوسادة في استسلام تام لجاذبية الارض كحجر ملقى من اعلى جبل ليرتطم بالرمال لا يحرك ساكنا ,اذا نظرت لها وهي نائمة .. قد تذكرك بتلك المرأة العجوز الملقاه في التابوت يرمقها الاحباب نظرة الوداع عقب القداس ,سكون مريب تكاد لا تشعر بانها تتنفس ,فهي لا تعرف للنوم مفهوما ,فهناك مراحل للنوم لم تزرها منذ عدة سنوات فقد ظلت لا تعرف للنوم نمط غير النمط الارثوذوكسي (موجات النوم السطحية) ,ليس قلقا فهي لا تمتلك شئ يستحق القلق ولكنها لاتكف عن سماع ذلك الطنين المستمر يشبه احتفال خلية نحل بمحصول عباد شمس .. نعم التفكير يصدر طنينا يشبه النحل .. واحيانا يلدغ!

 تنتظر المساء يأتي في كل يوم لكي تنساه ,تغمض عيناها فتراه مبتسما لها ,تتجسد خيوط الظلام لترسم وجهه وتتسأل: لماذا العقل لا ينسى هذا الوجه وقد مرت الايام .. والاشهر .. والسنين! وتعدد العشاق وتردد المتيمين بحسنها حتى ملت الاحساس بأنوثتها .. فهي لم تعرف لانوثتها معنى منذ رحيله .. وصار الغزل حين يكتب فيها لايستطعم وان استطعمته لا تمضغه وان مضغته عجز الحلق عن السماح له بالمرور لأمعاء القلب مثل نبتة صبار في حقل من القطن!

هي لا تنتمي لجنس النساء في كثير من افعالها فهي المزيج الانثوى المتفجر والذكوري الرصين الهادئ ,لا تحسن الثرثرة مثل باقي النساء ,فهي على عكس نساء الكون .. تستمع!

تستمع للكثير بدون تعليق .. للراديو واخباره المملة واغانيه الرتيبة المعادة .. لاصوات الجيران المزعجة .. لحكايات زوجها التي تعتبرها جزءا كبير من اغاني الراديو الرتيبة او طنين نحل الليل!

ولكن ما لا تحتمله في كل ليلة حتى تنفجر .. صوت الشخير المستمر الذي يدل على انها اصبحت لرجل امام شرع الله والمجتمع .. ولكنها في شرع القلب .. اسيرة رجل آخر

a-dark-lady3!